تجري  الرياح بما لا تشتهي السفن!

لا تمر كل لحظاتك العملية على ما تشتهي أنت.

فبالتأكيد أمور العمل وتخبطاته مهما بلغت درجة التخطيط لها يأتيك اليوم الذي لا تشتهيه السفن.

أنا هنا لا أتكلم عن الموظف في وظيفته، بل أشمل ما هو أوسع من ذلك، حتى المدير في مكانه، بل وصاحب العمل الذي دفع دم قلبه لينشأ مصدر رزق جديد له ولموظفيه.

حتى هذه اللحظات لا تكون بالغالب صريحة في السوء، بل هي مقدمات – إن تعاملت معها بشكل متزن – سترى الأجمل بعدها – غالبا –.

تجربتي

أنا أكتب لكم ذلك، وقد قررت منذ فترة أن أكتب وأدون ما أعيشه .. أكتب عن تجربتي الشخصية .. وما قمت به لأشارككم ذلك، فتنصحوني أو أقدم لكم ما قد تمرون به.

مررت مؤخرا ببعض التخبط في العمل الذي أنشأته بيدي، فالقدرات المالية تنخفض، والمصاريف تتزايد، مع أن المشاريع لا تقل. ومع انشغالي بتنفيذها وعدم تفرغي الكامل لها بدأنا البحث عن شريك مدير مع باقي الشركاء، وتم لنا أن وجدنا ضالتنا في شخص له الثقة الكاملة.

ومع حضوره بدت تنكشف مواطن الضعف الموجودة، والمشاكل المغطاة، سواء كانت مشاكل تتعلق بالفريق، بالعمليات، بالأمور المالية، وغيرها.

ظهور هذه المشاكل وضعني في موقف غريب، لأول مرة أقف أمامه، فحتى عندما كنت موظفا ومع أحلك المواقف لم أجد نفسي هنا.

هذا الموقف أفقدني بعض الثقة فيما قدمت في كل ما سبق، وفيما سأقدم لاحقا لإنقاذ العمل من هذه المواقف وتداعياتها.

كنت أعود إلى المنزل كل يوم بثقلين، ثقل العمل، وثقل فقدان الثقة.

ابتعد لترى!

من محاسن القدر أنه في ذات الفترة كان لدي مشروع يحتاج إلى سفر، والبعد عن العمل، هذا الأمر ساعدني كثيرا في أن أخلو بنفسي بعدينا عن ضغط العمل اليومي، وبعيدا عن الاحتكاك بتلك المشاكل والاستماع لها يوميا.

لذا، أول مصادر إعادة الثقة، وتحفيز النفس مرة أخرى:

ابتعد عن المشكلة، ابتعد عنها بقدر، فلا تتركها تغيب عن عينيك، ولا تكن داخلها.

هذا البعد مفيد جدا، فيجعلك ترى المشكلة من فوق، ترى مدخلها ومخرجها، ترى حيثياتها، تبتعد عن التفاصيل التي لا طائل منها، يجعلك تركز على الصورة العامة وليست التفاصيل التي تضيع وقتك – مع علمي التام بأن الحل قد تجده في “تفصيلة” من التفاصيل، ولكنك لن تكتشف ذلك وأنت في الداخل.

اخرج لتفكر. اخرج لتترك لنفسك مساحة للتفكير. اخرج لتترك لعقلك مساحة يرتب أوراقه فيها.

الهدف!

إن كان هدفك واضح، محدد، دقيق، فأنا لا أخش عليك من شيء.

أهم مشكلة فقدان الثقة التي عشتها، أن الهدف لم يكن واضحا، لا على صعيد العمل، ولا على الصعيد الشخصي. فقد اهتز الاثنان مع بعضهما البعض.

لذا أول ما حاولت القيام به، إعادة النظر في هدفي الشخصي، كتابته وتحديده بشكل أوضح مما كنت أفكر أني أراه مسبقا. تغيير ما أريد تغييره فيه، وقمت بشيء إضافي، رسم شجرة الهدف وكل تفرعاتها.

ومن ثم قمت بعمل هدف للعمل، سيقبل به الجميع لو عرفوا به، هدف بسيط، واضح، دقيق، الجميع يطمح له، فمثلا، من – من أرباب العمل – لا يريد تحقيق صافي ربح يقدّر بـ 100 ألف درهم خلال 6 أشهر قادمة؟ أو خفض تكاليف التشغيل لنسبة أقل من 35%؟

ولم أقرن هذا الهدف بأي هدف آخر قد أرتأته الشركة، أو بقي في بال أحد الشركاء، أو لدى أحد الموظفين، وضعت هدفا صغيرا سيسعد الجميع تحقيقه، بغض النظر عن توجّه الشركة أو صورتها، هدف “يجب” تحقيقه لنخرج من دائرة المشاكل المحيطة!

ذكّر نفسك!

قرأت كتابا له علاقة بالثقة، وإعادة الثقة.

لن أبالغ أن الكتاب في ظاهره هو كتاب عام جدا، بل وقد أجد في نفسي – وفي أنفسكم ذات الأمر – أنكم تكتبون أفضل مما كتب هذا الكاتب.

ولكن، سبحان الله، عندما يقرأ الإنسان فإن حالته النفسية تنعكس على ما يقرأه، فيبدأ بربط الأشياء ببعضها من منظور النقص الذي يريد أن يكمله. والأغرب، أن ما تقرأه يفتح لك آفاقا قد تكون لم تخطر على بال الكاتب، والأشد غرابة، أن القراءة – وبالذات في مجالات التنمية – تذكرك بأشياء تعرفها، ولكن تطبيقها غاب عنك، من باب “وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين”

اغمض عينيك

اشعر باستعادة الثقة.

عندما تطفئ أضواء الغرفة معلنا ذهابك للنوم، وأنت لوحدك، أغمض عينيك، وابدأ بتخيل الحياة الجديدة برمّتها. عمل بمشاكل أقل، مشاكل لا قيمة لها، أنت تسير بثقة بين موظفيك، شركائك، عائلتك.

تخيل الشركة وقد تخطت الهدف الذي وضعته، تخيل اجتماعك بالشركاء وأنت تعلن لهم الهدف التالي حينها، تخيل مكتبا أكبر، مقر عمل أكبر، تخيل اسم الشركة على غلاف أحد مجلات الأعمال بجانب صورتك أو صورة أحد الشركاء أو الموظفين لديك، تخيل حديث التواصل الاجتماعي عن أعمالكم، وهكذا.

خذ نفسا عميقا (شهيقا وزفيرا) ل 10 مرات على الأقل.

افعل ذلك يوميا، وأقسم بالله أنك سترى الفرق. ليس فرقا داخليا تشعر به أنت لوحدك، بل سيشعر كل من حولك بهذه الثقة. سيشعر بأن ثقتك عادت لك، وأنهم يستطيعون الوثوق بك أكثر من قبل.

تابع المسير!

لا تشعر بأنك وصلت خط النهاية قبل أن تصله.

فتحقيقك نصف الهدف في الفترة الزمنية ذاتها لا يعني أبدا أن اجتزت خط النهاية. هذا يعني أن لديك مشاكل باقية، وعليك النظر فيها، وعليك إخراج نفسك من تفاصيلها الصغيرة لرؤية الصورة الكبيرة.

ووصولك لهدف في زمن أقل من الموضوع له أيضا لا يعني تخطي النهاية، بل يعني أنك وضعت هدفا صغيرا جدا، ووجب عليك أن تزيد من حجم النجاح.

أثناء ذلك كلها، لا تشعر بالغرور أبدا، الناس حولك سيشعرون به أيضا، وسيبتعدون عنك بصمت!

لن يضيع أحد الوقت مع شخص مهزوز الثقة، تملكه الغرور لتعويض هذه الثقة. كن واثقا من نفسك ومتواضعا، واعمل بصمت.

بالتأكيد لن تكون الحياة وردية معك، وما فقدت الثقة فيه وجعلك تفقد الثقة بنفسك لن يكون سهلا، ولكن ثق بي، تركيزك على الهدف والبعد عن التفاصيل الصغيرة جدا، وعيش حياتك خارج العمل (مع عائلتك وأهلك وأصدقائك) سيكون له أثر فعال.

* * * * * * *

كل ما كتبته في الأعلى هو نتاج المرحلة الأولى. سأكتب مقالا آخرا عن نتيجة ما طبقته بعد أن أصل إلى ما أريد.

شاركوني بقصصكم الملهمة وكيف تعيدون الثقة إلى أنفسكم، وتحفزونها لترفعوا من هممكم؟

بالتوفيق

أنا أقوى…
Tagged on:         

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *